أهمية ضرب الأمثلة في التعليم الشرعي
قلتُ: كثرةُ الأمثلة في العلوم الشرعية من أنفع طرائق التعليم، وهي منهجيةٌ علميةٌ وتربويةٌ أصيلةٌ سار عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأئمةُ العلم قديمًا وحديثًا؛ إذ المقصود منها تقريبُ المعاني، وتوضيحُ المقاصد، وربطُ القواعد الكلية بفروعها وجزئياتها.
فالأمثلةُ تُحوِّل القواعدَ النظريةَ إلى صورٍ ذهنيةٍ محسوسة، وتُعينُ على فهم المسائل الدقيقة، وتنمِّي مَلَكةَ الفهم والاستنباط، وتُدَرِّب طالبَ العلم على تنزيل الأحكام على الوقائع، وربط النظائر بأشباهها.
ولذلك كانت عناية العلماء بضرب الأمثلة ظاهرةً في مصنفاتهم، ولا سيما في كتب الفقه، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، والنحو، وغيرها من العلوم؛ لأن المثال أبلغُ في البيان من مجرد التعريف المجرد.
ومن أهم فوائد ضرب الأمثلة:
1. إيضاح المعاني المجردة؛ فالمثال يُقرِّب القاعدة العلمية إلى الفهم، ويجعلها أقرب إلى التصور والاستيعاب.
2. بيان القيود والاستثناءات؛ إذ تظهر بالمثال الفروق بين المسائل، ويتبين ما يخرج عن القاعدة وما يدخل فيها.
3. ترسيخ القواعد في الذهن؛ فإن كثرة التطبيقات على القاعدة الواحدة من أعظم أسباب ثباتها وعدم نسيانها.
4. تنمية ملكة القياس والاستنباط؛ وذلك بربط الفروع بالأصول، ومعرفة الأشباه والنظائر.
5. اكتشاف علل الأحكام؛ فإن دراسة الأمثلة المتعددة تُعين على إدراك مناط الحكم، والتمييز بين المؤثر وغيره.
6. حسن تنزيل الأحكام على النوازل؛ إذ يكتسب الطالب بالممارسة قدرةً على تطبيق القواعد الشرعية على الوقائع المستجدة.
7. ولهذا كان أئمةُ العلم يُكثرون من ضرب الأمثلة في مجالسهم ومصنفاتهم؛ لأن المعنى إذا اقترن بمثالٍ مناسبٍ كان أرسخ في النفس، وأسرع إلى الفهم، وأبعد عن الخطأ والوهم.
قال بعضهم:
وما تُضرَبُ الأمثالُ إلا لِتُجتَلَى بها *** الصُّوَرُ الحِسانُ عند التأمُّلِ
فكم من بعيدٍ صار بالفهمِ قُربةً *** وكم من عويصٍ حُلَّ بالمتمثِّلِ
وقال الإمام ابن الجزري رحمه الله في «المقدمة الجزرية»:
وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَرْكِهِ *** إِلَّا رِيَاضَةُ امْرِئٍ بِفَكِّهِ
فالعلمُ إنما يُنال بالممارسة، وكثرة التطبيق، وتكرار الأمثلة، كما يُنال بالحفظ والمراجعة؛ فإن كثرة التمثيل تُنمِّي الفهم، كما أن كثرة التكرار تُرسِّخ الحفظ.
فينبغي لطالب العلم، كما ينبغي للمعلم، أن يُكثر من ضرب الأمثلة المناسبة لكل مسألة؛ فإنها من أعظم وسائل البيان، وأقوى أسباب رسوخ العلم، والله تعالى أعلم.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والفهم الصحيح، والإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا من خدام سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.