الفهارس الإلكترونية
فإنَّ كثيرًا من دورِ النشرِ التجاريةِ في زمانِنا تعتمدُ على الفهارسِ الإلكترونيةِ الجاهزةِ؛ طلبًا لسرعةِ الإنجازِ، وكثرةِ الإنتاجِ، وإخراجِ أكبرِ عددٍ من العناوينِ في أقصرِ مدةٍ ممكنة. وكثيرًا ما يكونُ اعتمادُها على صفِّ الكتبِ القديمةِ وإعادةِ طباعتِها دون تحقيقٍ علميٍّ كافٍ أو مراجعةٍ دقيقةٍ للنصوص.
أما أهلُ التحقيقِ والتدقيقِ، فإنَّهم لا يزالون يحافظون على الطرائقِ العلميةِ المعروفةِ عند المحققين، ومنها صناعةُ الفهارسِ يدويًّا من خلالِ القراءةِ الدقيقةِ للكتابِ، واستخراجِ مواضعِ الأعلامِ والبلدانِ والقبائلِ والكتبِ والمسائلِ والفوائدِ وغيرها، ثم ترتيبُها ومراجعتُها مراجعةً علميةً متأنية.
وأنا أعرفُ عددًا من المحققين الذين لا يزالون يسيرون على هذه الطريقةِ العلميةِ المتقنة، والحمدُ للهِ على ذلك، بل إنني أحرصُ على سلوكِ هذا المسلكِ في أعمالي التحقيقية، وإن كان شاقًّا من جهةِ الوقتِ والجهدِ؛ إذ يستلزمُ إعادةَ النظرِ في متنِ الكتابِ مراتٍ كثيرةً، وربما عاود المحققُ مراجعتَه عشراتِ المراتِ حتى يطمئنَّ إلى سلامةِ الفهرسةِ ودقَّتِها.
غير أنَّ هذه المشقةَ لا تذهبُ سُدًى؛ فإنَّ لصناعةِ الفهارسِ على الطريقةِ التقليديةِ فوائدَ عظيمةً، منها:
1. زيادةُ الإحاطةِ بمحتوى الكتابِ ومسائلِه.
2. اكتشافُ كثيرٍ من الأخطاءِ والسقطاتِ والتصحيفاتِ التي قد تفوتُ في أثناءِ المراجعةِ الأولى.
3. ترسيخُ مسائلِ الكتابِ في ذهنِ المحققِ لكثرةِ تكرارِ النظرِ فيه.
تسهيلُ الإفادةِ من الكتابِ للباحثين وطلابِ العلمِ.
4. الوقوفُ على الفوائدِ والشواردِ التي لا تُدركُ غالبًا بالقراءةِ السريعةِ.
ولهذا كان كثيرٌ من أهلِ التحقيقِ يرون أنَّ صناعةَ الفهارسِ ليست عملًا تكميليًّا فحسب، بل هي جزءٌ من عمليةِ التحقيقِ العلميِّ نفسها، ومن أسبابِ إحكامِ الكتابِ وإتقانه.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.