النسخ الخطية
من المهم أن يُعلم أن العبرة في تحقيق كتب التراث ليست بكثرة النسخ الخطية التي يجمعها المحقق، وإنما بجودة النسخ وقيمتها العلمية.
فإذا وُجدت نسخة المؤلف التي كتبها بيده، أو نسخةٌ قرأها عليه تلاميذه، أو أملاها عليهم، أو قابلوها على أصله وأقرَّها، فإن هذه النسخة مقدَّمةٌ على غيرها، بل قد تغني عن كثيرٍ من النسخ المتأخرة؛ لأنها أقرب إلى الأصل، وأبعد عن التصحيف والتحريف.
فإن لم توجد، فالمقدَّم بعد ذلك النسخ التي نُسخت في حياة المؤلف، وإن لم يثبت أنه قابلها، ثم النسخ التي كُتبت بعد وفاته بمدةٍ يسيرة، ولا سيما إذا كانت منسوخةً في بلده، أو على أيدي تلامذته، أو من أصولٍ قريبة العهد بالمؤلف.
ولهذا فإن جودة النسخة، وقربها من المؤلف، وصحة نسبتها، أولى بالاعتبار من مجرد كثرة النسخ. فكثيرًا ما تكفي ثلاث نسخٍ نفيسةٌ متقنةٌ في إخراج نصٍّ صحيحٍ محرر، ولا تزيد عشرات النسخ المتأخرة على تكرار ما فيها من الأخطاء؛ لأنها قد تكون راجعةً إلى أصلٍ واحد.
ولهذا كان المحققون المتقنون يعتنون بدراسة شجرة النسخ، ومعرفة أصولها، وتمييز النسخ المستقلة من المنقولة، قبل الشروع في المقابلة؛ إذ المقصود الوصول إلى أقرب نصٍّ يمكن نسبته إلى المؤلف، لا مجرد جمع أكبر عددٍ من المخطوطات.
أما التوسع في جمع النسخ دون تمييز قيمتها العلمية، فقد يفتح بابًا كان مغلقًا؛ إذ يورث اضطرابًا في إثبات النص، ويُدخل قراءاتٍ متأخرة أو تصحيحاتٍ من النساخ لا أصل لها، فينصرف جهد المحقق إلى الترجيح بين نسخٍ متفرعةٍ من أصلٍ واحد، بدلاً من العناية بالنسخ الأصول التي يدور عليها التحقيق.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.