اعلم علمني الله وإياكَ:
إنَّ من آفات الجهل أنَّ صاحبَه قد يتمسَّك به، ويذبُّ عنه، ويظنُّ أنه على الحق، وأنه يُحسن صنعًا، فإذا سألته عن دليل قوله، أو عن مستنده من الكتاب والسنة، أو عن سلفه من أئمة الهدى، لم يأتِك إلا بالتقليد المحض، وقال: وجدنا مشايخنا، أو آباءنا، أو من نشأنا بينهم، على هذا.
وهذا شبيهٌ بما حكاه الله تعالى عن أهل الكفر، إذ قال سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170].
أما أهل العلم الراسخون، فإنهم يبنون أقوالهم على الدليل، ويؤصلون المسائل، ويبينون أصولها وفروعها، ويذكرون أقوال السلف وأدلتهم، ويحررون محل النزاع، ويزنون الأقوال بميزان الكتاب والسنة، لا بميزان العادات أو الأهواء أو مجرد التقليد.
ولهذا كان من أعظم صفات طالب العلم أن يطلب الدليل، وأن يعرف مأخذ الأقوال، وأن يحرص على اتباع الحق حيث كان، لا أن يتعصب للأشخاص أو للمألوفات.
ومن هنا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ما ناظرتُ عالمًا إلا غلبتُه، وما ناظرني جاهلٌ إلا غلبني»؛ لأن العالم يقصد الوصول إلى الحق، أما الجاهل فكثيرًا ما يقصد مجرد الانتصار لرأيه، فلا ينتفع بحجة، ولا يرجع إلى برهان.
فلذلك كانت مجادلة الجاهل من غير مصلحة راجحة سببًا لضياع الأوقات، وإثارة الخصومات، وكان السلف رحمهم الله يحذرون من المراء والجدال العقيم، ويأمرون بلزوم العلم، والحكمة، وحسن البيان، مع إقامة الحجة، وترك اللجاج والخصومة.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.