منهج العلماء في شرح كتب العلم
قلتُ: جرى العلماء قديمًا وحديثًا في شروحهم لكتب العلم على مناهج متعددة، تختلف باختلاف المقصود من الشرح، وحال المخاطبين من الطلاب، وليس المقصود من كل شرح الاستيعاب والتطويل، بل لكل مقامٍ مقال، ولكل طبقةٍ من الطلاب ما يناسبها.
- ومن أشهر هذه المناهج ثلاثة:
* المنهج الأول: الشرح المختصر: وهو أن يقتصر الشارح على فك ألفاظ المتن، وبيان معانيه الإجمالية، والتنبيه على أهم مسائله، من غير توسع في الخلاف أو الاستطراد.
وهذا النوع هو أنفع ما يكون للمبتدئين؛ لأنه يرسخ أصول الفن، ويقرب ألفاظ المتون إلى الأذهان، ولذلك يكثر في شروح المتون المختصرة التي يُقصد حفظها ودراستها في أول الطلب.
* المنهج الثاني: الشرح المتوسط: وهو أن يزيد الشارح على بيان الألفاظ بتقرير المسائل العلمية، وذكر أدلتها إجمالًا، والتنبيه على بعض الخلاف المعتبر، مع تأصيل القواعد المهمة التي يحتاجها طالب العلم.
وهذا المنهج هو الأنسب لطلاب العلم المتوسطين الذين تجاوزوا مرحلة الابتداء، وبدأت تتكون لديهم ملكة فهم أبواب العلوم وربط مسائلها.
* المنهج الثالث: الشرح المطول: وهو أن يستوعب الشارح مسائل الكتاب، ويذكر أقوال العلماء، وأدلتهم، ومناقشاتهم، والخلاف العالي، والقواعد الأصولية، والفوائد الحديثية، واللغوية، والفقهية، والمنهجية، مع الاستطراد فيما تدعو إليه الحاجة.
وكثيرًا ما تظهر هذه الصناعة العلمية في المطولات، وفي حواشي الكتب وتعليقات المحققين، وهي مما ينتفع به طالب العلم المنتهي والباحث المتخصص.
ومن هنا فلا ينبغي أن يُعاب على عالمٍ أنه شرح كتابًا في يوم أو يومين، أو في مجالس يسيرة؛ فإن ذلك راجع إلى المنهج الذي سلكه في شرحه، وإلى الفئة التي يخاطبها.
فمن عُرف عنه تعليم المبتدئين، وتأصيلهم، وفتح أبواب العلوم لهم، فقد يكون الاختصار في حقه هو عين الحكمة، وأوفق لمقصوده.
ولهذا تنوعت شروح العلماء على الكتاب الواحد؛ فمنهم من يشرحه في مجالس قليلة، ومنهم من يستغرق في شرحه سنوات، وكلٌّ منهم ينظر إلى الغاية التي أراد تحقيقها، وإلى حال طلابه.
وقد أحسن السلف في هذا الباب، فكانوا يربون الناس على التدرج، ويبدؤون معهم بالأصول قبل الفروع، وبالمختصرات قبل المطولات، كما قال الإمام البخاري رحمه الله في «صحيحه» معلقًا عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كونوا ربانيين حلماء فقهاء"، وقال: "الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره".
فهذا هو منهج التربية العلمية الصحيح، وهو الذي سار عليه أئمة الإسلام في تعليمهم وتصنيفهم.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا، وأن يجعل كتبنا شاهدةً لنا لا علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.