اعلم ـ وفَّقك الله ـ أنَّ الإسنادَ من خصائص هذه الأمة، وبه تميَّزت عن سائر الأمم، وهو سِلْكُ الأخبار، وميزانُ الروايات، وبه يُعرَف الصحيحُ من السقيم. غير أنَّه وسيلةٌ إلى المقصود، لا مقصودٌ لذاته.
فلا يظنَّنَّ ظانٌّ أنَّ مجرَّد جمع الأسانيد، أو الإكثار من الإجازات العامة والخاصّة، يُحصِّل به العلمَ، أو يبلغ به رتبةَ أهله؛ فإنَّ العلمَ إنما هو فهمُ المنقول، وضبطُ الأصول، ومعرفةُ عللِ الحديث، ومداركِ الفقه، وأقوالِ الأئمة، مع العمل بذلك.
وقد كان الأئمةُ ـ رحمهم الله ـ يطلبون الإسنادَ لصيانة العلم، لا للمباهاة به، ولا للتكثُّر باسمه؛ فمتى خلا الإسنادُ عن الفقه والفهم، صار صورةً بلا حقيقة، واسمًا بلا مسمّى، وربما أورث صاحبَه غرورًا أو دعوى لا تثبت عند الامتحان.
وأنا ـ وإن كنتُ أحمل من الأسانيد ما أحمل، بفضلِ الله وكرمه، عن جماعةٍ من أهل العلم وطلبته ـ فلا أرى ذلك مفخرةً ولا مزيةً تُطلَب لذاتها، وإنما أعدُّه وسيلةً من وسائل الاتصال، وأسعى جاهدًا في طلب العلم على وجهه، مع تصغير نفسي بين يدي العلماء الكبار، وطلبة العلم الثقات، رجاءَ أن أكون في سلك المتعلمين، لا في عداد المتصدّرين بغير حقّ.
فعليك ـ يا طالب العلم ـ بالأصول قبل الفروع، وبالفهم قبل الحفظ، وبالتحصيل قبل التصدُّر، والزَم طريقةَ المتقدّمين في التلقّي عن أهل الرسوخ، مع التدرّج والضبط والمراجعة.
ويكفيك من شرف الاتصال سندٌ صحيحٌ تثبت به هذه الخصيصة، فإن المقصودَ ما وراء ذلك من علمٍ نافعٍ، وعملٍ صالح.
فالعلمَ العلمَ، والفقهَ الفقهَ، والزَم غرزَ أهل الحديث في جمعهم بين الرواية والدراية؛ فبهما يتمُّ الكمال، والله المستعان.
والحمد لله ربّ العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.