نصيحةٌ لطالبِ الحديثِ المبتدئ
قلتُ: يُعَدُّ متنُ البيقونية من المتونِ المختصرةِ النافعةِ في علمِ مصطلحِ الحديث، فهو صغيرُ الحجمِ، عظيمُ القدرِ، سهلُ العبارةِ، وقد اشتمل على جملةٍ من أهمِّ أنواعِ علومِ الحديث، فبلغت أنواعُه اثنين وثلاثين نوعًا، مما جعله من أنسبِ المتونِ للمبتدئين في هذا الفنِّ الشريف.
فينبغي لطالبِ العلمِ أن يجعلَ عنايتَه به عنايةَ تأسيسٍ وضبطٍ، فيحفظَ ألفاظَه، ويفهمَ معانيَه، ويقفَ على مقاصدِه الإجمالية، دون أن يُطيلَ الوقوفَ عنده؛ إذ المقصودُ منه فتحُ البابِ للطالبِ وتعريفُه بأصولِ هذا العلم. وفي تقديري أنَّ الطالبَ المجدَّ إذا تفرغ له حفظًا ودراسةً وفهمًا، أمكنه أن يُنجزَه في مدةٍ يسيرةٍ لا تتجاوز أسبوعًا، ثم ينتقلَ إلى ما هو أوسعُ منه وأدقُّ تحريرًا.
وأرى أنَّ أولَ ما ينتقلُ إليه بعد البيقونية كتابُ «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، مع شرحِه «نزهة النظر»؛ فإنهما من أنفسِ ما أُلِّف في هذا الباب، وقد اعتنى بهما أهلُ العلمِ شرحًا واختصارًا ونظمًا وتعليقًا.
ومن استطاع أن يحفظَ متنَ النخبةِ نثرًا فذلك حسنٌ، وإن حفظ نظمَها الذي نظمه محمدُ كمالِ الدينِ الشُّمُنِّي رحمه الله فذلك من وجوهِ التحصيلِ النافعة؛ لأنَّ الحفظَ يُعينُ على سرعةِ الاستحضارِ، وربطِ المسائلِ بأصولِها، واستدعائِها عند الحاجةِ إليها.
وقد أحسنَ شيخُنا العلامةُ عبدُ الكريمِ الخضير حفظه الله في شرحِه على النخبة، فشرحُه من الشروحِ المفيدةِ التي تمتازُ بوضوحِ العبارةِ، وحسنِ التقريرِ، وكثرةِ الفوائدِ والتنبيهاتِ الحديثيةِ والمنهجية.
ومع ذلك، فعلى طالبِ العلمِ أن يعلمَ أنَّ هذه المتونَ ليست غايةَ المطاف، وإنما هي بدايةُ الطريقِ في هذا العلمِ الشريف؛ فإنَّ علمَ الحديثِ بحرٌ لا ساحلَ له، وسُلَّمٌ طويلٌ يترقَّى فيه الطالبُ درجةً بعد درجة، حتى يرسخَ قدمُه في مصطلحِ الحديث، وعللِه، ورجالِه، ومناهجِ النقادِ من أئمةِ هذا الشأن.
فمن أحكمَ الأصولَ، وصبرَ على الطلبِ، ولازمَ أهلَ العلمِ، وأكثرَ من القراءةِ والمراجعةِ والمذاكرةِ، فتحَ اللهُ عليه من أبوابِ الفهمِ والعلمِ ما لا يُنالُ بالعجلةِ ولا بكثرةِ التمنِّي.
واللهُ أسألُ أن يرزقَنا العلمَ النافعَ، والفهمَ الصحيحَ، والعملَ الصالحَ، وأن يجعلَنا من خُدَّامِ حديثِ نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم، العاملين به، الذابِّين عنه.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.