نقلُ مقولةٍ عن المخالفِ ليس كأخذِ العلمِ عنه:
قلتُ: ينبغي لطالبِ العلمِ أن يفرِّق بين نقلِ القول عن المخالف وبين تلقي العلم عنه والأخذِ منه؛ فإنَّ بين الأمرين فرقًا ظاهرًا عند أهلِ العلم.
فقد ينقل العالمُ أو طالبُ العلمِ كلامًا لمخالفٍ في العقيدة أو المنهج أو الفقه؛ لما فيه من فائدةٍ أو صوابٍ في مسألةٍ معينة، أو لبيانِ قولٍ من الأقوال، أو للاحتجاج عليه، أو لردِّه، أو للموازنة بين الأقوال. وليس في ذلك تزكيةٌ له، ولا دعوةٌ إلى الأخذ عنه، ولا إقرارٌ لجميع ما هو عليه.
أما أخذُ العلمِ عن الشخص، وجعلُه شيخًا يُتلقى عنه، ويُرجع إلى تقريراته، ويُربى الطلابُ على كتبه ودروسه؛ فهذا بابٌ آخرُ، وله ضوابطُه عند أهلِ السنة.
وقد كان السلفُ يروون عن بعضِ أهلِ البدع إذا كانوا صادقين في الرواية، مع تحذيرهم من بدعهم وعدمِ الاقتداء بهم.
قال محمد بن سيرين رحمه الله: "إنَّ هذا العلمَ دينٌ، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم".
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء".
وقال أيضًا: "لا تأخذوا العلمَ عن صحفيٍّ، ولا القرآنَ من مصحفيٍّ".
وكان أئمةُ الحديث يذكرون رواياتِ بعضِ المخالفين في كتبهم إذا كانوا معروفين بالصدق والضبط، مع بيان ما عندهم من الخطأ والبدعة.
فهذا الإمام البخاري رحمه الله روى في «صحيحه» عن جماعةٍ وُصفوا بشيءٍ من البدعة، ولم يكن ذلك تزكيةً لهم في بدعتهم، وإنما لأنَّ الروايةَ بابٌ، والحكمَ على المعتقد بابٌ آخر.
وقال الذهبي رحمه الله: «ولو أنا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما».
ومن تأمل كتبَ أهلِ العلم وجدهم ينقلون عن طوائفَ كثيرةٍ من المخالفين؛ كالمعتزلة، والأشاعرة، والفقهاء، والنحاة، واللغويين، والمؤرخين، وغيرهم، ولا يُفهم من ذلك أنهم يتلقون الدينَ عنهم أو يرضون بجميع أقوالهم.
ولهذا قيل: "ليس كلُّ من نُقل عنه العلمُ يُقتدى به، وليس كلُّ من ذُكر كلامُه صار إمامًا في الدين".
فالواجبُ هو العدلُ والإنصاف؛ فنقبلُ الحقَّ ممن جاء به، ونردُّ الباطلَ على قائله، مع حفظِ مكانةِ أهلِ السنة، وتحري الأخذِ عن العلماء المعروفين بصحةِ الاعتقادِ وسلامةِ المنهج.
قال مالك بن أنس رحمه الله: «كلٌّ يؤخذُ من قولِه ويُردُّ إلا صاحبَ هذا القبر» وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فالحقُّ ضالةُ المؤمن، والحكمةُ ضالتُه، لكنَّ ذلك لا يعني التسويةَ بين أهلِ السنة وأهلِ البدع، ولا اتخاذَ المخالفين أئمةً يُرجع إليهم في الدين.
ومن التطبيقات المعاصرة لهذه القاعدة ما يتعلق بكتب التراث وتحقيقها؛ فإنَّ كثيرًا من الناس قد يظنُّ أنَّ وجودَ اسمِ عالمٍ أو باحثٍ أو محققٍ على غلافِ كتابٍ ما يقتضي تزكيتَه والأخذَ عنه، وهذا غيرُ لازم.
فإنَّ التحقيقَ العلميَّ للكتب يختلفُ عن التلقي والأخذِ عن الشيوخ؛ لأنَّ المقصودَ من التحقيقِ خدمةُ النصِّ وإخراجُه على وجهٍ صحيحٍ، وضبطُ ألفاظِه، وتخريجُ نصوصِه، والتعريفُ بأعلامِه، وبيانُ فروقِ نسخه، ونحوُ ذلك من الأعمالِ الفنيةِ والعلمية.
ولهذا قد ينتفعُ طالبُ العلمِ بتحقيقِ محققٍ لكتابٍ من كتبِ السلف، مع عدمِ موافقتِه للمحققِ في بعضِ مسائلِ الاعتقادِ أو المنهجِ أو الاجتهاد؛ لأنَّ العبرةَ هنا بسلامةِ التحقيقِ وجودتِه، لا باتخاذِ المحققِ إمامًا يُتلقى عنه الدين.
وقد جرى عملُ أهلِ العلمِ قديمًا وحديثًا على الاستفادةِ من جهودِ المحققين والنسَّاخِ واللغويين والمؤرخين وغيرِهم، مع بقاءِ التمييزِ بين الاستفادةِ من عملِ الشخص وبين اتخاذِه مصدرًا للتلقي والتربية العلمية.
فليس كلُّ من انتفعنا بتحقيقِه، أو فهرستِه، أو تخريجِه، أو خدمته لكتابٍ من الكتب، نكونُ قد أخذنا العلمَ عنه على وجهِ التلقي، كما أنَّ نقلَ فائدةٍ عن شخصٍ أو الاستشهادَ بكلامِه لا يستلزمُ الاقتداءَ به في جميعِ أقوالِه.
ولهذا ينبغي لطالبِ العلمِ أن يكونَ منصفًا، فيشكرُ لكلِّ ذي فضلٍ فضلَه، ويستفيدُ من الجهودِ العلميةِ النافعةِ حيثُ وجدها، مع بقاءِ أصلِ التلقي والأخذِ والتربيةِ العلميةِ عن أهلِ السنةِ المعروفين بالعلمِ والاتباعِ وسلامةِ المنهج.
وبهذا يتبين أنَّ الاستفادةَ من تحقيقِ كتابٍ، أو النقلَ من مقدمةِ محققٍ، أو الاعتمادَ على ضبطِه للنصِّ، لا يساوي الأخذَ عنه في العلمِ والدين، كما أنَّ نقلَ مقولةِ المخالفِ ليس كالتلقي عنه واتخاذِه إمامًا يُقتدى به.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.