اعلموا يرحمكم الله أنَّ علمَ عللِ الحديث بحرٌ لا ساحلَ له، وهو من أدقِّ علومِ الحديثِ وأغمضِها، وليس كلُّ من اشتغلَ بعلمِ الحديثِ يُحسنُ الكلامَ فيه، بل هو علمٌ اختصَّ اللهُ به أئمةً نُقَّادًا، أفنوا أعمارَهم في جمعِ الطرقِ، ومعرفةِ اختلافِ الرواةِ، ومقارنةِ الرواياتِ، حتى رُزقوا فيه ملكةً راسخةً ودقةَ نظرٍ قلَّ أن توجد في غيرهم.
ولذلك كان أهلُ هذا الفنِّ في كلِّ عصرٍ قليلين، يُعدُّون بالأصابع، كما قال غيرُ واحدٍ من أهلِ العلم: معرفةُ عللِ الحديثِ إلهامٌ، أي: إنها ثمرةُ طولِ الممارسةِ، وسعةِ الحفظِ، وكثرةِ المذاكرةِ، مع توفيقِ اللهِ تعالى.
وفي هذا العصر، ومع انتشارِ وسائلِ التقنيةِ الحديثةِ، وكثرةِ البرامجِ الإلكترونيةِ والمكتباتِ الرقميةِ، تجرَّأ على الكلامِ في هذا العلمِ قومٌ لم يُحكموا أصولَه، ولم يسلكوا سبيلَ أئمتِه، فصار أحدُهم يتكلَّم في التصحيحِ والتضعيفِ، بل وفي العللِ الخفيةِ، اعتمادًا على البحثِ الإلكترونيِّ أو المقارناتِ السريعةِ، دون امتلاكِ أدواتِ هذا الفنِّ الشريف.
ولا ريبَ أنَّ هذه الوسائلَ نعمةٌ إذا استُعملت فيما خُلقت له، فهي تُيسِّر الوصولَ إلى المصادرِ، وتُعينُ على جمعِ الطرقِ، لكنها لا تُغني عن الفهمِ، ولا تُورثُ ملكةَ النقدِ الحديثيِّ، ولا تجعلُ صاحبَها من أئمةِ العلل.
فالواجبُ على طالبِ العلمِ أن يعرفَ قدرَ نفسِه، وأن يتدرجَ في الطلبِ، وأن يُنزِلَ العلماءَ منازلَهم، وألَّا يتصدرَ للكلامِ في دقائقِ هذا العلمِ قبل استكمالِ آلاتِه؛ فإنَّ التجرؤَ على هذا الفنِّ من غيرِ أهليةٍ يورثُ الخطأَ والاضطرابَ، ويوقعُ في الجرأةِ على سنةِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.
فنسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا العلمَ النافعَ، والفهمَ الصحيحَ، والإنصافَ، وأن يجعلَنا من المتبعين لسبيلِ أئمةِ الحديثِ ونقَّادِه، وأن يحفظَنا من القولِ عليه بغيرِ علم.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.