قال أبو صالح الفراء: «حكيتُ ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه -يعني: الحسن بن حي-. فقلت ليوسف: ما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لِمَ يا أحمق؟! أنا خيرٌ لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضرَّ عليهم».
انظر: «سير أعلام النبلاء» (7/364)، و«تهذيب الكمال».(6/182)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلتُ: وهذا هو شأن العلماء الربانيين، ولا سيما أئمة الحديث والأثر، وأهل الفقه والنظر؛ فإنهم يريدون الخير للأمة، ويحبون للناس ما يحبون لأنفسهم، ويخافون على دين الله تعالى من البدع والمحدثات، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الدين النصيحة».
ولذلك لم يكن كلامهم في أهل البدع والأهواء من باب الغيبة المحرمة، ولا من باب التشفي أو الانتقاص، وإنما كان من باب النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وصيانةً للشريعة من التحريف والدخيل، وتحذيرًا للأمة من سلوك سبيل المبتدعة.
ومن هنا كانت منزلة علم الجرح والتعديل عظيمةً في حفظ السنة النبوية؛ فهو من أجلِّ خصائص هذه الأمة، وبه تميز صحيح الأخبار من سقيمها، وعُرف الثقات من الضعفاء، وحُفظت سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكذب والوضع والدس.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». وقال محمد بن سيرين رحمه الله: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».
فكان الإسناد، ودراسة أحوال الرواة، ونقد الروايات، من أعظم الأسباب التي حفظ الله بها هذا الدين، حتى صارت هذه الأمة تتميز عن سائر الأمم بهذه الخصيصة العظيمة، التي لم يؤتها أمة قبلها، فالحمد لله على نعمة الإسلام والسنة.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.