إنَّ بابَ السمع والطاعة لولاة الأمر من الأصول التي قررها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية، وسار عليها سلف الأمة، حتى أدرجوها في كتب الاعتقاد؛ لأنها من مسائل الاجتماع ووحدة الكلمة، وليست من المسائل الفقهية المجردة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وقال عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي».
وفي الصحيحين أيضًا من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرةٍ علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان».
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك، فاسمع وأطع» والزيادة عليها كلام.
وليس هذا الباب مبنيًّا على حديثٍ أو حديثين، بل هو من أكثر أبواب السنة ورودًا؛ فقد عدَّ بعضُ أهل العلم الأحاديثَ الصحيحة في السمع والطاعة لولاة الأمر، فبلغت أكثرَ من مائة حديث، وهو مما يدل على تأكيد الشارع لهذا الأصل العظيم.
ولهذا أفرد أئمة أهل السنة هذا الباب في مصنفاتهم، ككتاب «السنة» للإمام أحمد بن حنبل، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» لهبة الله اللالكائي، و«شرح السنة» للحسن بن علي البربهاري، و«السنة» لابن أبي عاصم، و«الحائية» لابن أبي داود وغيرها من كتب الاعتقاد؛ لأنهم رأوا أن الاجتماع على ولاة الأمر، والسمع والطاعة لهم في المعروف، وترك الخروج عليهم، من أصول أهل السنة التي تحفظ بها جماعة المسلمين، وتندفع بها الفتن، مع وجوب طاعة الله ورسوله أولًا، وأنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في «أصول السنة»: «والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البرِّ والفاجر، ومن ولي الخلافة...».
وقال الحسن بن علي البربهاري رحمه الله: «واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضةً فرضها الله على لسان نبيه، وجوره على نفسه، وطاعتك له وإحسانك معه تامة إن شاء الله».
وقال ابن تيمية رحمه الله: «ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة».
والناظر في هذه المصنفات يجد أن الأحاديث الواردة في هذا الباب إنما سيقت لبيان المنهج الشرعي في معاملة ولاة الأمر، ولا سيما عند وقوع الظلم والجور؛ إذ إن النصوص التي تأمر بالسمع والطاعة، والصبر، وترك منازعة الأمر أهله، إنما يظهر محلها عند وجود ما تكرهه النفوس من جورٍ أو استئثار، ما لم يظهر كفرٌ بواحٌ عند المسلمين فيه من الله برهان.
أما إذا كان الإمام قائمًا بالعدل، حاكمًا بشرع الله، فإن طاعته في المعروف من أوضح الواجبات، ولا يقع النزاع في أصل ذلك بين أهل الإسلام.
فالواجب على طالب العلم أن يفهم نصوص هذا الباب على وفق ما قرره أئمة أهل السنة، جامعًا بين النصوص، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، وعن تنزيلها في غير مواضعها.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.