اعلم –وفَّقني الله وإيَّاك– أنَّ طالبَ العلم في بداية طلبه يحتاج إلى منهجٍ يسير عليه، وأصلٍ يتدرج من خلاله في دراسة الفقه وأصوله؛ ولذلك جرى عملُ كثيرٍ من أهل العلم على أن يبدأ الطالب بدراسة المذهب المشهور في بلده، لما في ذلك من ضبطٍ للمسائل، وحسنِ ترتيبٍ للعلم، وتيسيرٍ في التلقي عن الشيوخ.
ولا يعني هذا التعصبَ للمذهب، ولا التقليدَ الأعمى، ولا تقديمَ أقوال الرجال على الدليل، وإنما هو سلوكُ طريقٍ منهجيٍّ في طلب العلم حتى تتأصل عند الطالب قواعدُ الفقه، وتستقيم ملكتُه في النظر.
فالمبتدئ في الغالب مقلِّد؛ لعدم اكتمال آلته العلمية، وعدم قدرته على الترجيح بين الأقوال، وجهله بكثيرٍ من أصول الاستدلال، كتمييز الشروط من الأركان، والواجب من المندوب، والحرام من المكروه، والعام من الخاص، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ، وغير ذلك من أبواب الأصول والفقه.
فإذا تأصل الطالب، ورسخت قدمه في العلم، وعرف أدلة الأحكام، وقواعد الاستنباط، انتقل إلى مرحلة النظر والترجيح بحسب ما آتاه الله من علم، مع بقاء الأصل الذي لا يفارقه، وهو اتباع الدليل الصحيح حيث كان.
فالتمذهب في بداية الطلب وسيلةٌ للتأصيل، وليس غايةً يُتعصَّب لها، ومن سلك هذا الطريق على يد أهل العلم أثمر له – بإذن الله – رسوخًا في الفقه، وحسنًا في الفهم، وسلامةً في المنهج.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
واللهُ من وراءِ القصدِ، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
واللهُ تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.