عن ابن الديلمي، قال: لقيت أبي بن كعب، فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء، لعله يذهب من قلبي. قال: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم، ولو أنفقت جبل أحد ذهبا في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك، لدخلت النار " قال: فأتيت حذيفة، فقال لي مثل ذلك، وأتيت ابن مسعود، فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وإسناده قوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاهد: أنَّ الأمراضَ العارضة – مع أنَّ منها ما هو أشدُّ خطرًا من بعض الأوبئة، كالسرطان، والإيدز، والسُّكري، وارتفاع الضغط، والفشل الكُلوي – كلُّها من الابتلاءات التي يبتلي الله بها عباده؛ ليميز الصابرين من الساخطين.
فمن صبر واحتسب، كان ذلك رفعةً له في الدرجات، وتكفيرًا لسيئاته، ومن سخط واعترض، كان البلاء عليه حسرةً ووبالًا.
وقد قال النبي ﷺ: «ما يُصيبُ المسلمَ من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه».
وقال ﷺ أيضًا: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
واليأسُ من رحمة الله محرَّمٌ مذموم، والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى.
قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: 11].
وقال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
فإذا أراد الله بعبدٍ ابتلاءً أو هلاكًا لم يُفلته أحد، ولو كان في شِقِّ جبلٍ في أقصى الأرض، وإذا أراد به خيرًا يسَّر له أسباب النجاة والهداية.
ولهذا كان طلبُ العلم في زمن الفتن والابتلاءات من أعظم القُرُبات؛ لأنه يثبت القلب على الحق، ويهدي إلى الصبر واليقين، كما أن المعاصي في زمن الفتن من أعظم أسباب الهلاك.
فاللهم ثبِّتنا على الحق، وارزقنا الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.
والحمدُ لله على كلِّ حال.
والله المستعان.
والحمد لله ربّ العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
وكتبَه خادمُ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ
الدكتور أبو حفصٍ محمدُ بنُ كاملٍ المُسنَديُّ القاهريُّ الأثريُّ
غفر اللهُ له ولوالديهِ، ولمشايخِه، وللمسلمين.
القاهرة - مصر (حرسها الله)


حياكم الله ومرحبًا بكم؛ نتشرف بتعليقاتكم المثمرة.